اسماعيل بن محمد القونوي
429
حاشية القونوى على تفسير الإمام البيضاوى ومعه حاشية ابن التمجيد
ترى أحوال مترتبة أي يترتب صفصفا على قاعا ويترتب لا ترى على صفصفا وهذا مراده وإن تسامح في العبارة إذ ظاهرها أنها يترتب بعضها على بعض مع أن القاع لا يترتب على الحال بل يترتب على نسف الجبال ومتسبب عنه . قوله : ( والثالث باعتبار المقياس ) إشارة إلى أن الرؤية علمية إذ ما علم بالمقياس أمر دقيق لطيف من المعاني من حيث إنه لا يناله الحس وإن كان من شأنه أن يحس وهذا هو الموافق لقوله وهو يخص بالمعاني المقابل للأعيان وقيل أمر دقيق يلتحق بالمعاني وإن كان وصفا في الأعيان وقيل إنه يحتمل أن يكون من الرؤية البصرية فإنه مما يبصر بعد الإظهار بالمقياس وهو محل تأمل والمخاطب كل من يصلح الرؤية على الفرض والتقدير ويجوز أن يكون خطابا له عليه السّلام تقديرا أي لا ترى لو كنت في ذلك الوقت ونفي الرؤية مستلزم لنفي المرئي كناية وهو أبلغ وعن هذا اختير هذا على نفي العوج والأمت . قوله : ( ولذلك ذكر العوج بالكسر وهو يختص بالمعاني والأمت وهو النتو اليسير ) وهو يختص بالمعاني وهو ما لم يكن مرئيا كما أن الفتح يختص بما يرى بالعين كالعوج في الدين والملة وغيرها في الأول وعوج الحائط والعود والعصا في الثاني والفرق هو المشهور وقيل لا فرق بينهما واختاره الإمام المرزوقي وقد مر ما يتعلق به في أوائل سورة الكهف . قوله : ( وقيل لا ترى استئناف مبين للحالين ) أي ليس بحال بل استئناف مبين للحالين كأنه قيل إلى أي حدهما فيها قيل لا ترى فالمراد استئناف معاني مرضه لأن الحالين معلومان حدودا لدلالة مادتهما عليها وإنما اختير هذه الجملة للدلالة على التجدد كلما تجدد النظر تجدد عدم العلم والرؤية بخلاف الأولين فإنهما ثابتان على الدوام . قوله تعالى : [ سورة طه ( 20 ) : آية 108 ] يَوْمَئِذٍ يَتَّبِعُونَ الدَّاعِيَ لا عِوَجَ لَهُ وَخَشَعَتِ الْأَصْواتُ لِلرَّحْمنِ فَلا تَسْمَعُ إِلاَّ هَمْساً ( 108 ) قوله : ( أي يوم إذ نسفت على إضافة اليوم إلى وقت النسف ويجوز أن يكون بدلا ثانيا من يوم القيامة ) على إضافة اليوم الخ بقرينة ما قبله من إضافة العام إلى الخاص فلا اللفظ له موقع حسن بديع في وصف الأرض بالاستواء والملاسة ونفي الاعوجاج عنها على أبلغ ما يكون وذلك أنك لو عمدت إلى قطعة أرض فسويتها وبالغت في التسوية على عينك وعيون البصراء من الفلاحة واتفقتم على أن لم يبق فيها اعوجاج قط ثم استطلعت رأي المهندس فيها وأمرته أن يعرض استواءها على المقاييس الهندسية لعثرتها فيها على عوج في غير موضع لا يدرك ذلك بحاسة البصر ولكن بالمقياس الهندسي فنفى اللّه عز وعلا ذلك العوج الذي دق ولطف عن الإدراك اللهم إلا بالقياس الذي يعرفه صاحب التقدير والهندسة وذلك لا اعوجاج لما لم يدرك إلا بالقياس دون الإحساس الحق بالمعاني فقيل فيه عوج . قوله : وقيل لا ترى استئناف مبين للحالين فعلى هذا لا يكون هو حالا فكأن سائلا قال في أي حد يكون حدودها واستواؤها فأجيب بأن ذلك في حد لا تَرى فِيها عِوَجاً وَلا أَمْتاً [ طه : 107 ] .